اعتـــبرنـي حُلُــــــــــماً

 

بعد أن ينهي زيارته للمعبد الحجريّ، يذهب الرجل الذي لم يدوِّن حرفاً ولن يترك كتاباً تحت إلحاح النعاس إلى فراشه.  إنّه متعب - فتوليد الأرواح أشقُّ من توليد الأبدان- ورجّة السؤال أشدُّ على الروح من هناءة الجواب- وما إن يدلف إلى عالم الحلم حتى تأتيه عرّافة دلفي. لقد تركها في المعبد بعينين مطفأتين  - إنّها مُبصِرة ولها نظرة أموميّة- أشارت للكلمات المنقوشة بحروف بارزة فوق بوابة المعبد وقالت: "ياسقراط اعرف نفسكَ بنفسك". رضّت  هذه العبارة سؤال الفلسفة عن الوجود والطبيعة. وكان عليه أن يعود إلى نقطة انطلاق السهم.

 الحلم هو هذا الضبط. "فهم ما يصعب فهمه". فمعرفة دواخلنا ليست بالأمر الهيّن لذا نتفنن في  الهرب ( الصحبة العمياء، تبنيّ قناعات المجموعة التي ننتمي لها. الركون إلى المتعارف عليه) و أقسى ثمن يدفعه الكائن هنا هو ضياع الذات. في جانب آخر قد يتآمر المرء- بقصد أو بدونه- مع الجماعة ضدّ هذه الذات. ليريح ويستريح. وهذا وهم! تنجم عنه عبودية مرّة، فكم عملت السلطات  الدينيّة والسياسيّة والثقافيّة  على ترويض الروحِ الحرّة؛ عن طريق وأد السؤال وتدجين الجواب، ووضع عصابةٍ فوق عين البصيرة الفطريّة!

 لكن مالذي يفعله الحلم؟

 يكتب صديق للمخرج السرياليّ لويس بونويل  " أن أول مشهد صادم  في فيلم "كلب اندلسي "-أول أفلامه-  سكين تقطع العين. وآخر مشهد  في سلسلة أفلامه السرياليّة (سيدة ترفو قطعة ممزقة ملوثة بالدماء)؛ هذه هي العلاقة بيننا وبين الحلم؛ فهو يرصد غياب الذات. يطرح الأسئلة التي زيّفها الوعي.  إنّ وظيفته "فتح جرحنا كي نلأمه لاحقاً". أو بمعنى أدق هز غصن الشجرة لإسقاط الثمر الفاسد! "ولا يمكن ترويضه" هل يمكن أن نعرِّفه بهذه العبارة!

بعد نهاية الحرب العالميّة الأولى واندثار الحركة "الداديّة" نظر مجموعة من الشبان الغاضب-يطلقون على أنفسهم السرياليّة-  للوعي كزنزانة لا يمكن تحطيمها إلاّ بثورة؛  وبالتالي باتت محتوياته تهدد تكامل الشخصيّة، و لا بد من الذهاب إلى اللاّوعي ذلك المكان السريً ونبش مكنوناته  الغامضة. لكن وصلت إلى مرحلة أنها لم تعد تهدف سوى للتحطيم فبدت وكأنها موضة " والفن لم ولن يصبح موضة رائجة"!

 هل  الحلم منطقة لتبديد الانسجام  مع النفاق الاجتماعي كما أرادت السريالية. هل هو بصيرة داخلية!

 في كل الأحوال سواء كان يتجه للمستقبل ويبدو كرؤيا ( من حلم زوجة قيصر إلى حلم الفرعون إلى حلم يوسف) أو يظهر كانفتاح معرفيّ كحلم ديكارت الذي ألهمه بيت  شعريّ "منهجه الفلسفيّ" أو كحلم سقراط الذي قَلَبَ مسار التفلسف. وسواء التفت الكتّاب لجمالياته  وغموضه كما فعل بورخيس، أو إلى الجانب الكابوسيّ  منه كما نجده عند "إدغار آلان بو" يبقى الحلم انفتاح على الذات التي وصفت بالمرآة لكنها ليست مرآة عاكسة بل تحوي بداخلها عالم آخر مشابه للعالم الذي دخلته أليس في قصص "لويس كارول". عالم ثريّ يفوق قدرة الوعي حيث يتخبط الأنا وحيداً،  فوق أرض اللاوعي وعليه أن يعثر على أجوبته منفرداً لا ينتظر معونة أحد! في جمهورية الحلم لا يسمح للزمن بتجاوز العتبات،  ولا يُقبَل أيّ وجود للمنطق وعلى الحالم أن يدخل عارياً. فلا يستطيع أحد أن يقرأ تجربتنا أفضل منّا! والحلم هو إشارة ضمن مجموعة كبيرة من الإشارات ليس هو أولها ولا آخرها بل ربما أغناها وأكثرها أهمية. هل تخاف أحلامك؟  هل تهرب من الأسئلة التي تطرحها عليك إلى النسيان؟

 أهلاً بك في السقوط الحر المسمى الحلم!  والبداية مع  حلم "غيمة على تل" للكاتب زهير كريم.  يتحرر السارد هنا من ثقل الجاذبيّة، ويرفض كل شكل وجوديّ ثابت. وربما يكون السؤال الذي يطرحه النص مرتبط بقلق الذات من أشكال التجمد في هوية محدودة  فالثبات يتعارض مع الحالة الإنسانيّة "لا أريد أن أكون جندياً ولا تاجراً، ولا حتى شاعرا" بل غيمة سابحة مثل لحيّة بيضاء، ( تيس أبيض يقضم العشب) ينبثق هذا النص من أعماق البديهة النقيّة للكائن الإنساني الرافض  لكل أشكال التبلور والجمود . ((حلمت ذات ليلة بأني صرت غيمة)) الرغبة بالخفّة، والتحرر من الثقل المادي للحياة و ثقل الوجود القاسي. يبدو النص هنا كقصيدة رعويّة لسارد ذي نزعة مثالية، يرغب بأن يكون "علامة جماليّة في جسد الحياة"  تثير بهجة طفل أو تُرسم في لوحة، غيمة تنشد البقاء في تلك الوضعية وترفض الذوبان. جميعنا دون استثناء نحلم أن نكون غيمة "وحده الشاعر يفعلها"

على العكس تنحو قصة  "هبوط اضطراري" للكاتبة نبأ حسن مسلم نحو الجاذبيّة  و ثقل الحرب، فيحاول السارد أنقاذ ما لا يُنقذ. في غرائبية كابوسيّة تظهر الأشياء وتختفي (البيت الذي يتبقى منه الهيكل ،الهاتف الذي يتحول إلى عجين) و السارد  مشدود وعالق في مكان  تحيطه نثارات أو بقايا (جذور القصب، هيكل  الطائرة المعدني، طيار جريح، صواريخ عدائيّة)  يبدو الحلم هنا كمحاولة لتفكيك معنى الحرب. يظهر ذلك في تكليف السارد بمهمة سريّة! لكن ماهي! لا معنى لكل ذلك! والنسيان والذوبان سيد الموقف "فكل شيء يتحول إلى عجين" وتعجز الذات عن الفهم!

إلى جماليات أحلام اليقظة ينتمي نص "رانية" للكاتبة هبة شريقي وهو يعرض بذكاء عالٍ ولغة رشيقة سلسلة متدرجة من الأحلام، تبدأ بسيطة ثم تنغلق كقوس على  نفسها. من حلمها أن تكون جميلة و في مرحلة لاحقة معلمة (يبدو الحلم هنا وطن)  ورانية  الجميلة دلالة رمزية فهي أول حلم " أن أصبح جميلة مثلك" لكن رانية "أُصيبَتْ باكتئاب حادّ ومُزمِن، سمِعْتُ أنّها لا تستجيب لنداء أحد ولا ترغب في التَّحدُّث إلى أحد. حلمْتُ لو أنّني طبيبة نفْسِيّة، أو فيلمٌ هنديّ يروق لها، أو حكواتيّة تُشعِرها قصصي بشيء ما أو تُعلِّمُها شيئاً ما. وهنا تغلق الساردة قوس الحلم على الفقدان. وعندما  فقدتُ الأمل، وجدتُني أكتب هذا." والسؤال الذي يلح هنا هل يمكن للجمال عموماً وللنوايا النقيّة خصوصاً أن تنقذنا؟ يبدو أنها تنتهي بنا إلى الخيبة، ولا ننسى تحذير ماركوس أوريليوس لنا من الأمل. 

يمنح  الحلم في "أيام الأمس" لمهند الخيكاني  للحياة الواقعيّة دلالة جديدة. فالأيام الضبابية تبدو واضحة في الحلم. وهو يرى في حلمه الأيام السابقة بوضوح بعد أن رآها في الواقع غائمة "لا حاجة إلى العينين لأجل القراءة والكتابة ، وتأدية النشاطات الأخرى ، يكفي أنني أتماهى مع نظارتي وأغطّ في النوم". عبر الحلم يمكن تغيير تفاصيل اليوم السابق، لكن  في مرحلة ما تتعقد الأمور ويختلط الواقع بالحلم تنتهي الأمور بفقدان الحد الفاصل بين منطقتين كان يفترض بإحداهما أن توضح الأخرى وأن تنقّيها " ضحكتُ بسعادة أولاً ثم ضحكت بحزنٍ قاتم يدل على الانهيار فيما بعد، إذ أنني لم أعد أعرف: هل أنا مستيقظ وهذا هو الواقع أم إنني ما زلت نائماً !ثم أين اختفت نظارتي ؟

تشارك السادرة في نص "علبة الأحلام" للقاصّة غفران الطحان. في صياغة حلمها وتتحكم به وهنا يبدو فعلاً واعياً نشعر فيه بحضور المؤلف  "نادراً ما أسمح لنفسي بحلمٍ عفويّ، فكلّ أحلامي مرتبةً ضمن قائمة أحضرها، حتّى الكابوس، كان له وقته الذي أحدده أنا، وحدها ردّة فعلي تجاهه كانت عفويّة، رغم معرفتي المسبقة به. الحلم وحده قادر على رأب الصدع بين قلبين، لكن الواقع يتسلل للحلم ويدمره فكلما غرقت الساردة في حلم جاءت شظية أو قذيفة فينتهي بكابوس طويل.

في "حين الحلم"  للكاتب برهان المفتي يضع السارد الحلم في مواجهة  الرقابة أو (السلطة العليا) فقد تم تجاوز الحد في الأحلام؛ فالوسائد المراقبة يجب أن تمتلئ كل أسبوع وهاهي تمتلئ كل يوم (فكثرة الأحلام تؤدي إلى التداخل بين الواقع والتمني، ومثل ذلك التداخل مخالف لأنظمة وتعليمات مركز إدارة النوم(.  نحن أمام حالم يتجاوز الحد وعليه أن يبحث في روحه عن مبرر هذا التجاوز "أنا الآن حلم بين أحداث ذاكرتي، في يديّ موظف إدارة النوم، وهو يقرأ تقرير جوابي على سؤاله عن السبب الذي جعل وسادتي تمتلئ بالأحلام في ليلة واحدة. سينتظرني طويلاً في واقعه، وأنتظر طويلاً في صندوق أحلام ذاكرتي". يلوذ الحالم بحلمه بينما يترك للموظف انتظاره. ها هو يتحول إلى حلم. تاركاً للمراقب ثقل الانتظار.

تفوح من نص  رؤيا (Heren Straat)للكاتب صلاح الحيثاني. نزعة نيتشوية، تمس الحالم والمحلوم به وعلة الحلم؛ فتحيله إلى نثار. يرى الحالم نفسه موجوداً في حلم رجل آخر، وهذا يعني أنه يكفي أن يستيقظ أحدنا حتى  يتلاشى الآخر. هذا هو الفرق، فأنت لست موجودا بنفسك، أنا علّة وجودك، أنت معلول ضعيف، تحتاج إلى حلمي لتشعر به. فالحالم لم يعد حياة وعلة الوجود انتهى، والمحلوم به يجد نفسه وحيدا من علته وسبب وجوده.

 في  نص "ماجستير " للكاتبة "حنان الحلبوني" يلتقي طالب الماجستير بالتراث عبر مجموعة من الشعراء  (عنترة والمعري والمتنبي) وهذا النص له بنية مسرحيّة كما أنه بعيد عن بنية الحلم وينتمي لإطار أحلام اليقظة بمعناها الدقيق. وهو يبدو محاولة لفهم  أسباب انحطاطنا والهزيمة التي لحقت بحاضرنا. لكن "عوني" الطالب الذي يطرح سؤاله يتلعثم كلما حاول أيجاد جواب.  فالفاجعة اكبر من أي قدرة على الفهم.  لماذا تأخرنا؟ لماذا وصلنا للحضيض؟ وفي النهاية ما يتبقى من الحلم هو البصقة التي تركها أحد الشعراء كجواب وحيد.

في قصة "جامع الأحلام"  للكاتب  الصربيّ  "زوران جيفكو فيتش"  يخبرنا السارد عن نفسه فكل نص كتب ليقول شيئاً، وهو يريد أن يخبرنا عن وحدته، فلا أنيس له سوى نومه ويقظته وأجراس الكنيسة "رددت السماعة لمكانها وأطفأت المصباح. بقيت مستلقياً محدقاً في الحلكة التي تحيط بي، إلى أن جاء صوت رنين من مسافة بعيدة. الأجراس المدويّة للكنيسة وصلت أولاً. متبوعة بالصوت المكتوم للجرس المعلّق برقبة الكبش، سرعان ما أصبح الصوت متصلاً مع الرنين الخافت لطفولتي. وأخيراً لم يكن يحيط بي سوى الصمت"

يحضر السارد في قصة "مؤامرة" للكاتب المصري "سيد الوكيل" اجتماعاً عائلياً لأفراد عائلته المتوفين. وهم بصدد اتخاذ قرار، يوقعنا الكاتب في الإيهام، بحيث يطلب منه والده القفز عارياً من الشرفة. مهلاً فهي ليست قضية انتحار! إنّه  الطيران نحو خفّة الطفولة، فالسيارات تتحول إلى ألعاب بالتزامن مع الرجوع  للطفولة والأم ماتزال بثوب زفافها؛ و ها هي تفتح ذراعيها لاستقبال أول خطواته. يغلق القوس على الطفولة التي تبدأ منها كل حياة، وهذا ربما يعطينا ملمحاً غريباً عن طبيعة الحلم الذي لا يرفض الزمن ضمن بنيته بل يسير في الضدّ منه. من غيمة ماطرة، إلى عميل سريّ ضائع، من  محاول للتفسير، إلى الطفولة، تبدو الأحلام كجبل الجليد وهي تخفي الكثير..

  في ليلةٍ ماطرة  كتب شاب مريض بالسل يدعى نوفاليس هذه العبارة "كل ما هو مرئي يقبع  فوق خلفيةٍ غير مرئية، وما هو مفهوم، فوق خلفية غير مفهومة، وما هو ملموس فوق خلفية غير ملموسة".  نحن نعيش الحاضر وما عدا ذلك يدخل حيزَ (الذاكرة أو التخمين) أما الحلم فهو كالموسيقى الرقيقة و هو شبيه بالسؤال -الذي طرحه الوحش الأسطوريّ على أوديب- عن الكائن "الذي يمشى في الصباح على أربع وفي الظهر على اثنان وفي المساء على ثلاث"  يأتي الحلم كسؤال، ومضة برق عابر! كإشارة للطريق الذي ينبغي أن يسلكه  أحدنا حين تنعدم الخيارات. قبل أربعة عشر شهراً من وفاته، كتب أينشتاين في خطابه إلى العالم الفيزيائيّ الأمريكيّ ديفيد بوم: "إذا كان الله قد خلق العالم، فأنا على يقين بأنّ أولى أولوياته لم تكن أن يسهِّل علينا فهمه". لكن الخيال والحدس، وهما العصب الرئيس للحياة يجمحان في طرق جعلت "أيلون ماسك" يقول "بأننا لا نعيش في عالم حقيقي على الإطلاق" أي نحن مجرد كائنات حلميّة. فكرة في خيال الله  أو ربما حلم من أحلامه.  ذات مساء دخل بالخطأ (الرجل الذي عاش الحياة كحلم)  إلى غرفة والد صديقه ماكس برود ما أفزع الأخير فقال "كافكا" وهو ينسحب معتذراً: "اعتـــــــــبرني حلــــــــــماً"

فدوى العبود

خاص لموقع الديكاميرون

منشور في موقع الديكاميرون 5يوليو 2020

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة