بيت روبنس كروزو
عالم تحرسه الإلفة..
سوف
أرى بيوتكم كيراعات في فجواتِ التلال
هيلين مورانج
هل
تعلمين أنني حين أكون في المدينة أشعر بالخوف من العواصف بالليل. إذ تبدو لي
بشموخها الكونيّ وكأنَّها لا ترانا، ولكنَّها ترى بيتاً وحيداً في الريف، تحتضنه
هذه العاصفة بأذرعِها وتعلِّمه كيف يواجه الصعوبات ((ريلكه))
**********************************
في
رسالة للرسام فنسنت فان كوخ إلى أخيه ثيو قال فيها: أنّ علينا أن نستعيد
جزءاً من الشخصَّية الأصليَّة لروبنسون كروزو "وذلك يعني، أن نعيد خلق كل
شيء بأنفسنا". يمنح دانيال ديفو
في _رواية روبنسون كروزو_ للمتلقي القدرة على معايشة حميميَّة البيت
فيرسم صورة تتمتع بليونة "حلم يقظة" فبإمكاننا أن نبنيه فوق الأغصان
المتينة- كالعش في قلب الشجرة، ويمنحنا بيته أماناً مضاعفاً، كما يَهِبُنا القدرة
على البدء من جديد "لقد صنعتُ شموعاً، وكتبتُ مذكراتي، ونحتُّ
أواني الطعام". إنّ توقَ فان كوغ لهذا البيت يعيدنا إلى البهجة الطفولية،
ويكشف عن صياغة متجددة وجذريَّة للعالم، تتوخى بناء علاقةٍ جديدة معه بعد أن حَرَمَنا
التطور بهجة الاكتشافات الأصليَّة، و بعد أن أفسدت الأبعاد الهندسية علاقتنا بالأماكن،
وجعلتها مجرد مكعَّبات أو مربعات أو أبراج ربحيَّة.
في دراسة ثريّة لغاستون باشلار نعثر على دلالات
لا تنفذ لمختلف تصميمات البيوت، وعمّا ترمز إليه. فهي ليست مجرد أشكال هندسية بل في
علاقة مباشرة مع الشعور الذي يستمد منها ملامح إلفة ومُعيناً على العيش في
العالم. فقد اقتصر باشلار في قراءته على المكان الأليف و الحدس الأوليِّ
الذي تنبني عليه كل معرفة لاحقة، - فنحن نحمل
البيوت في "أرواحنا". ومثل
نبتة زاحفة تمتد صورة البيت الأول، وترافقنا عبر الأزمنة فلا يبارح "أحلامنا. وفي أشعار ميلوز تتّحِد صورة
البيت بصورة الأم: أنادي يا أمي، وأفكاري منصرفة إليكَ أيَّها البيت.
من
جهة أخرى، فإن بيت الطفولة ليس منبع ثقة على الدوام، ويحدث أن تكون العلاقة مثلومة
بينه وبين الروح. بدراسة الصور المختلفة في الأعمال الأدبيَّة نعثر على
"المكان المُعادي" الذي تجنّبه باشلار، هذا المكان نقطة بدء الصراعات
النفسية الناجمة عن مِحَن الطفولة. فعند " إدغار ألان بو" ومن
خلال سردٍ ضارٍ ووحشيِّ، يتحول البيت من رحمٍ دافئ إلى أرضيَّة تُرتكب فوقها الجرائم.
هل يلزم أن نتذكر أنَّه تيتَّم مبكراً وعاش منبوذاً مع أسرة رفضت أن تتبنَّاه
رسمياً! لقد انطبعت في روحه (صورة
كابوسيَّة) للبيت. في أسفل الأسِّرة جثث مدفونة ،وبظلام الأقبية -حيث ترقد
براميل النبيذ- تحدث جرائم قتل وفي الطبقة السفلية للبيوت الشبيهة باللاوعي -بالمعنى
الفريدوي- يقدم الشرُّ نفسه بثراء. وفي قصة "برميل من أمونتيلادو"
يستدرج أحدهم صديقه لسبب واهٍ ثم يقتله و يدفنه في القبو. "وحين توقف تنفسه، أحسست
بقلبي يغوص في الظلمة وتلوث السراديب". وفي سقوط منزل "عائلة آشر" المباني
كئيبة، والبيوت التي يفترض أن تحمي من تقلبّات الطبيعة "هشّة تنفتح مع أول
هبة ريح". ثمة شرخ في الجدران والهواء مفعم بالأسى والجنون "كانت السحب المتحركة وجذوع الأشجار،
وكل ما في المنزل يبدو وكأنّه يسبح في بريقٍ مخيف". تآكل في الخشب وتصدعٌ
في الجدران، وانهيار السقوف وطيران النوافذ. بهذه الطريقة الدرامية ينهار منزل (عائلة
آشر). لا يبتعد ديكنز عن هذا
المعنى، فالبيوت المتآكلة مفرطة القسوة كأصحابها، ويعشش فوق أثاثها العنكبوت،
وديكنز الذي عانى في طفولته من قسوة مفرطة رأى في كل البيوت انعكاساً لهذه القسوة،
بيوت من صفيح وتنتهي بالاحتراق. عند زافون وماعدا إلفة (المكتبة)
فإن المكان يتميز بقدرته على الانتقام حين تعجز العدالة.
في رواية "سجين السماء" تفصح الأمكنة
عن الأسرار، فدانيال يقابل ضحايا الحرب الأهلية" وفي قصر (الدادا) حيث
دفُنِتْ بنيلوب وطفلها تنهض الجثث من
جديد. القصور والثراء والمطابع كل شيء سيحترق ماعدا المكتبة أو مقبرة الكتب التي
تبدو مثل حصن منيع! فهل لذلك دلالة؟ في عالم معادٍ وبيتٍ قاس ولد فرانز كافكا،
لأب انتهازي وعائلة متصلبة وفي أول صفحات المحاكمة، يستيقظ "ك" ليجد
رجلين يقفان فوق سريره، يتبعانه للحمام و يتلصصان على حياته فيبدو بيته منتهكاً من
قِبَل الآخرين. وفي رواية القصر يراقب التلاميذ "ك" وهو يبدل
ثيابه خلف ستائر الصف المدرسي. لقد كان
بيت كافكا –على غرارِ روحه- مُخترقاً بنظرات الآخرين لقد أراد الحماية، لكن البيت
يعجز عن تقديمها له. كان مسكوناً بالشعور المعذِّب
بأنَّ العالم معادٍ له، و شخوصه يستيقظون على محققين فوق أسرَّتِهم. لقد افتقرت
هذه البيوت إلى سحريّة العلاقة كما يصورها باشلار وإلى "الإلفة التي
تجعل أبأس بيت جميلاً! إلى رائحة هري
الشعير، و"هناءة بيت الطفولة" بحسب آن باليف "عندما
تطلب من الطفل أن يرسم بيته، فإنك تطلب إليه أن يكشف لك عن أعمق حلم للملجأ الذي
يرى فيه سعادته. وربما تقرّبنا إجابة جول ميشليه من البيت هو "شخص العصفور
بالذات، إنّه شكله وجهده و معاناته".
تتجاوز القراءة
الفينومينولوجيَّة للبيوت البعد الهندسيِّ والموضوعيِّ، وتلغي المسافة بين الأشياء
وما تثيره في شعورنا، ويبدو فيها كل شيء "مذاباً في داخلي " على
حد تعبير ريلكه. البيت رمز للكون، بحيث يبدو وكأنه
يمتص خفق الوجود ورمزيَّته، وبين البيت والروح " خيط خفيَّ" يربط الكائن
في حله وترحاله، وتحاول السينما والمسرح وهي فنون مكانيَّة، أن تضع الإنسان في قلب
بيت الطفولة، ليشعر برسوخه في قلب العالم. الحرب على العكس، تبدد الِثقة بالوجود..
إنَّ عتاباً مراً ذاك الذي يعبر به لوي جوليم عن فقد بيته:
طويلاً بنيتك، أيها البيت!
من الأرض حتى أعلى جدرانك
يابيت الريح، المأوى الذي أزالته
نفخة.
نتحدث هنا عن بيوتٍ أثيريَّة مفارقة للمكان والزمان،
تشكل نقطة ارتكازنا. فأينما ذهبنا ومتى تعثرنا يستطيع بيت الطفولة أن يسند وجودنا.
يكفي أن نلتفت من وقتٍ لآخر ونلوح للبيت الذي "يُرسلُ تحيَّته لنا كُلَ
يوم"
فدوى العبود
الإمارات الثقافية العدد/ 86
تعليقات
إرسال تعليق