المرآة وسؤال الذات
لماذا المرآة؟
هل كان جان جينيه على حق بجعلنا محبوسين في متاهة من المرايا تضاعف صورنا وتعزلنا عن الآخرين؟
الآن وسط ما يحدث في العالم  هل تعني لكم ثيمة المرآة شيئاً؟
 إن العالم مرآة، بل إذا شئتم كل شيء هو مرآة. ، غضب الريح وجموحها، تفتح الخمائل والينابيع، صقيع أيام الشتاء، التغيرات القاسية التي تتجلى بسقوط ورقة ونمو أخرى أليست مرآة للنفس!
مالذي يكشف لنا عنه زهو  "نرسيس"؟
إنه معجب بجماله ، لم يره أنسان أو إله دون أن يفتن به، كان يزداد بهاءً كلما تقدم في العمر؛ وكان مدركاً لجماله وإطلالته الجذابة،  يصدّهم جميعا ذكورا وإناثاً، لم يكن يعرف الحب، لم يكن يقيم للعواطف وزناُ!  نرسيس مغرم بنفسه، منغلق عليها، لذا ستعاقبه أفر وديت  بالغرق وهو يحدق في صورته.
 لذا فإن السؤال الذي تطرحه الذات هو  التردد بين انغلاقها وبين توقها للآخر! فالتوق للآخر طريق معرفة الذات بالمعنى الصوفيّ لا المعنى الأناني الذي يجد تجسيده في فلسفة  سارتر! يا مرآتي هل هناك أجمل مني؟   "تتساءل ملك القادري" إنّ القسوة هنا ليست خياراً فحين تعاكسنا الحياة تغدو آمالنا البسيطة جراحاً ، ومن يفتقد الحنان لا يَهِبه...وللمشاعر وقت صلاحيّة. وكيف لا نتغير أن صار القدر سكينا في الظهر!
يتكرر سؤال الذات ويبدو لانهائياً أمام المرآة،  إنه سؤال عن التآكل التدريجي يريد "برهان المفتي" أن يتخلص من هذه الوجوه الكثيرة، من الأقنعة، إنّ السؤال الوجودي هنا يتعلق بهذه الوجوه اللانهائية  ورغبة الكائن أن يكون ذاته.
(الخوف- القلق- الهروب الناجم عن العجز - )
يقدم نص المرأة التي تحولت إلى بخار" فدوى العبود"  امرأة تريد الهرب، وهي عاجزة عن اتخاذ قرار في حياتها، و المرآة شاهد أمين على تفككها التدريجي.
 أكره المرايا لأنها تكاثر الوجوه؟
هذه العبارة البورخيسية تتكرر في اللقاء الدائم بين الذات وبين المرآة.  لا يحتاج عبد الله ناصر في قصته "الآخر" للمرآة. " لو شاء الرب أن نحدّق في وجوهنا طوال الوقت، لجعل أعيننا في باطن أيدينا"
لكن الذات التي تبدو للآخرين كاملة ومثالية، تعي فقدانها في المرآة، الخيبة التي نجهد لإخفائها عن الآخرين تظهر في المرآة...يبدو الطفل الذي لم يكبر في قصة كمستير للقاص الأردني "جعفر العقيلي" وكأنه ينخرط في لعبة وهو يعابث رأسه امام المرآة، لكنه عاجز تماما عن سبر غور نفسه، ليجد فجأة هذه الرأس معروضة في حانوت. لقد ضيع ذاته، إنه يبدو للآخرين كامل ومثاليّ لكنه أضاع شيئاً.
مع  القاص العراقي "زهير كريم" يتخذ السرد لعبة من نوع آخر في ممرات الشك واليقين، الوهم والحقيقة، دون غلبة أي منها، لكن الحقيقة الوحيدة التي يؤكدها أن الخوف الذي  ننكره  والذي يبدأ بتقرح صغير موجود في حقيقة وجودنا السخيف. في  قصة حوار المرآة لغابرييل غارسيا ماركيز الرجل النازف  في المرآة حقيقي إلى درجة أن الرجل أمام المرآة يتفقد أماكن الجروح في جسده ولا يعثر عليها.
العلاقة مع المرآة هي ثنائية أسئلة دون إجابات وهي تتخذ في قصة " وجوه ذائبة " للكاتب  السوري "حسان الجودي" الأخذ والعطاء، فالمرايا تزداد سماكة بعدد الوجوه التي تحدق فيها. بعدد الناظرين إليها. إنّها علاقة سحريّة مع المرايا لا يمكن أن تظل المرآة ذاتها حين يحدق إليها وجه، لكن الحرب تتركنا بدون وجه أو ملامح. "كانت وجوههم مشوهة بفعل حمض كلور الحرب"
الكاتب الياباني "هاروكي موراكامي" وضمن سرد كابوسي وفي اجواء إدغار آلان بو يحكي عن الرعب  من الذات ، لقد توهم وجود مرآة في هذا العالم هو ذواتنا؟ هذا الرعب الذي عاشه مقابل الآخر الذي كرهه....ربما كانت قصة طارق إمام جواباً  ضروريا...لوداع عالم المرايا. وفي نصه سؤال الذات التي لا ترى في الوحدة خلاصاً، فنحن نستمد وجودنا من أن يرانا الآخرون من الحب!
أخيراً....
نحن لا نحدق في المرآة حين نكون سعداء، أو في حالة تصالح مع الوجود، على الأقل لا نطيل الوقوف أمامها. إلا في لحظة تهديد أو شك!  أغلب الذين يسألون المرآة هم  برتبة جنرالات حرب مهزومين، أو مارشالات حب مخذولين. إنه سؤال الذات لذاتها التي تتصدع..."أجبني مالذي جرى لك؟

فدوى العبود
منشور في موقع الديكاميرون 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة