كارلوس
زافون
ظل
الريح-لعبة الملاك-سجين السماء
-كيف يمكن لنا أنْ نخرج من هنا؟
-بطريقة وحيدة، أن نخرجَ أمواتاً
......................................
إذا
أقنعنا الأحياء بعدم جواز النبش في الماضي، فمن يضمنُ ألا يبعث الأخير رُسُله إلينا!
من المستقبل، من برشلونة الغارقة
في الصمت وتحديداً العام 1950، وبقلم فيكتور هوغو ينسج كارلوس زافون
حكايته.
تبدأ السطور الأولى في " ظل الريح"
من حدثٍ سريّ، "مقبرة الكتب" التي تُحفظ فيها الكتب التي لم تصل
إليها يدُ التزوير. هذه الكتب ملعونة فبمجرد وضع اليد عليها سُيخرَقُ عقد وقعّته المدينة
مع الخوف. عقدٌ هو (الصمتْ)، "وعندما وصل السلام أخيراً، كئيباً كشحوب
المقابر، لم تعد هناك أياد أو نظرات بريئة. ومنذ ذلك الحين غرقنا في ضباب الصمت". لكنّ هذا الكتمان لن يدوم، وعندما يحين الوقت تَخرِقُ
البيوت العهدَ وتفشي الأسرار (على طريقة إدغار آلان بو الكابوسية)
في العام 1920 احترقت برشلونة بنيران الحرب الأهلية،
غُيِبَ الآلاف في قلعة مونتويك وماتوا في المعتقلات. فُقِد الأحباء وترملت الزوجات.
بعد 30 عاماً، وتحديداً في العام 1950 وفي
الشوارع المعتمة لبرشلونة يتعقبُ الموتى خطوات الأحياء.
في قصر عائلة الداديا، وفي حياة سابقة دُفِنت شابة صغيرة (تدعى بنيلوب وهي حبيبة خوليان كاركاس)،
في قبر مع طفلها الذي حملت به من حبيبها.
ترك القصر نهباً للزمن وغادرت
العائلة المنكوبة للأرجنتين. مقتفيا آثار العام 1920 (مُلاحِق ومُلاحَق) يلتقي دانيال
بأشباح الضحايا، ويصدف أن ينتظر حبيبته بيلا تحت ذات الشجرة التي
تحتها خوليان منذ 30 ينتظر ضحية الحب
(بنيلوب).
في رواية البؤساء لفيكتور
هوغو ينبثق جان فالجان (الإنسان) من الندم والخطيئة، يشكل الندم بمعنى التطهر
وبمعنى فلسفي روح الجزء الاول من الثلاثية، فخوليان كاركاس الذي كتب " ظل
الريح" وتخلىّ عن حبيبته، يطوف و
رائحة حريق تنبعث منه لقد ترك بنيلوب
وطفله يواجهان مصيراً مرّاً. وها هو يطوف ممسكاً بيد الندم، وهذا هو الدرس الاول. أن يقرأ دانيال تجربة
هذه الروح المعذبة، الضحية التي رقدت في قبو كعقابٍ لها على حب خوليان، ففي هذا
القبر يمكن للحقيقة أن تقول أكثر مما
تقوله الكتب...
قلب الحكاية
هو قلم فيكتور هوغو، وبه يؤثث زافون ثلاثيته. فعبر طرقات برشلونة "مدينة
الرماد و"زهرة النار". المدينة الجريحة بالجنون- المكبلة بالصمت،
تطوف ظلال بأطرافٍ اصطناعية وأجساد محترقة ومشّوهة. إنهم
الشهود على ما حدث وقد عادوا ليرووا الحقيقة. يعود أبطال البؤساء ، وقد
تغيرت مصائرهم وخلّصهم زافون من رومنطيقية سلفه هوغو فالمحقق جافير في رواية البؤساء
يظهر في سجين السماء في شخص خافيير
فوميرو مدير السجن عديم الضمير ووزير الثقافة بعد الحرب، والمسؤول عن تغييب
المثقفين الحقيقين. ففي كل حرب هناك مزورون. يلاحق خافيير ضحاياه ليطمس الحقيقة، ولا يعاني من أزمة ضمير على غرار
مثيله جافير في البؤساء. فهو شخص متوحش بلا رادع قضى على الموهوبين وتصدر الصحف. واشترى الشهود الذين وقفوا في صفه ضد دافيد مارتين
الكاتب الحقيقي.
الحقيقة والزيف في كفتي الميزان،
وحين ترجح كفة الزيف تنطق الحجارة وينهض الموتى ليستقيم الأمر، ليس عبثا أن يردَ
ذكر قلم هوغو، بأكثر من موضع في الأجزاء الثلاثة. هذا القلم ذاته الذي كتبت
به البؤساء.
كوزيت بطلة البؤساء، التي تتركها والدتها
عند عائلة جشعة -والتي وقفت يوماً بعينين وسّعَهُما الحرمان تتأمل لعبة عيد
الميلاد- نعثر عليها في لعبة الملاك وقد أجبرتها الحرب على العمل كبغي. في لعبة الملاك نلتقي بالوجه الثقافي للمدن المنكوبة.
لنتأمل هذا الحوار بين بيدرو فيذال
ودافيد مارتين يقول الأول: أنت لست وحداً منهم، ولن تكون كذلك يوماً، لم تشأ
الانضمام إليهم، وتحسب أنّهم سيغفرون لك اعتكافك. مقتنعاً أنك ستتمكن من البقاء
دون أن تنضم إلى منتدياتهم السخيفة، أنت
مخطئ يادافيد.
-وهل تنضم أنت لمنتدياتهم يادون
بيدرو؟
-أنا لست بحاجة لهذا يادافيد، أنا
أنفق عليهم وأطعمهم.
ماذا سنفعل بكل الروايات التي بين أيدينا. وبهذا
العدد من الأفلام السينمائية؟ يجيب زافون بثقة "أعتقد أنّ الفن السابع،
محض احتيال؛ مجرد وسيلة لتغطية خداع العامة المسحوقة، ولتجهيلهم أكثر بحقائق الأمور.
أسوأ من كرة القدم ومصارعة الثيران، تم اختراع السينما لخلق حشود من الأمييّن. ولم
تتغير نواياها كثيراً حتى بعد خمسين عاماً على ولادتها"
وكما يلاحق جافير في رواية
البؤساء، جان فالجان عبر طرقات
باريس، يلاحق فوميرو في سجين السماء فيرمين الهارب ميتاً، فنلتقي بالماضي وبالضّحايا وهم يتعمدون بالدم ليصيروا
ملائكة! فليسَ لهم سوى أن يسلكوا أكثر
الطرق وعورة ففي ذهابنا لنروي الحكايات "نتعرف أثر خطواتنا على الدروب
التي سلكناها قبلاً"
مع سجين السماء نلتقي بالأموات بعد أن التقينا
أشباحهم في ظل الريح. لذا فإن ثلاثية –زافون- هي نبش في الرّماد. يكتب هوغو "مادام
في العالم ظلم، ومادام في العالم شقاء، فإن كتباً من هذا النوع لا يمكن أن تكون
بلا جدوى"
"لكن مهلاً: ما أدرانا أننا أحياء.
ألا يحتمل أن نكون مجرد أشباح!
ماذا لو -بعد مئة عامٍ من الآن -
اختفى طفل لثمانِ ساعات ثم عاد ليخبر والديه أنّ أشباحاً أخذوه في نزهة وأطلعوه
على بيوت مدمرة وخرائب وأنقاض، وحكوا له أنّ حرباً قاسية حدثت في العام 2012!
وكي يحمي الأب طفله الصغير على
سماع الحقيقة، سينصحه أن يتجاهلنا ببساطة، وأن لا يكترث بنا. وأن يتعوذ بالله حين
نظهر له، في الطرقات المعتمة والزوايا المهملة.
أما نحن. سنصفق الابواب، وسنطرق
على النوافذ، سنتكلم همساً ونترك لهم الرسائل، سنرعب سكان المستقبل دون قصد، سنخطف
الأطفال لساعات معدودة كي نوصل رسائلنا إلى الكبار. سنكتب بأقلام الحمرة النسائية
على مراياهم لنقدم لهم اعتذارانا عن الركام الذي أورثناهم أياه...
في ظل الريح يهدي الأب
لابنه القلم الذي كتب به فيكتور هوغو " البؤساء". وكأنّه يطلب
منه: ألاّ يكتب سوى عن البؤساء فالضحايا يملكون "الحكاية الحقيقية دون أي
تشويه او خداع". في اللحظات الاخيرة
من رواية البؤساء يقول جان فالجان وهو يحتضر: الموتى لا يوضعون تحت الرقابة،
والموت أشبه بالعفو. في سجين السماء، يسأل فيرمين رفيقه دافيد مارتين عن
كيفية الخروج من قلعة مونتويك. يجيب دافيد: بطريقة وحيدة ( أن نخرج أمواتاً)
فدوى العبود
الامارات الثقافية /العدد 82
سبتمبر-أيلول-2019
تعليقات
إرسال تعليق