بئر
يوسف
العزلة
المُغوِّيَة
يقول رجل ما: أشعر بالبرد، وقد لا يقول رجل آخر أي شيء. ولكننا نراه يرتجف
وسنعرف حينها أنه يشعر بالبرد.
ولكن ماذا عن الرجل الذي لا يقول شيئاً ولا
يرتجف؟
تُعتبر العزلة -هذا القلق المحلولُ
الوثاق- شرط الإبداع ومَنبِع الفرادة. وهي الخاصيّة المشتركة بين السرود الدينية والأدبية.
في كليهما نعثر على مرويّات تُعلي من قيمة العزلة وتجعلها مرحلة أوليّة لتقبل
الرسالة الالهيّة وللتخلق الجديد.
لا ينظر علم النفس إلى العزلة بإيجابيّة،
فهي حيلة نفسّية، ودليل اضطرابٍ عقليِّ وتدهورٍ نفسي. لكن الخيوط تفلت من علم
النفس حين نكون في مجال الإبداع؟ وهو الحالة الوحيدة التي لم يستطع الإمساك بها
لفرادتها وصعوبة تفسيرها. وعلى النقيض يعتبر كونديرا أن "العزلة هي القيمة
الاثمن"، فهي على العكس مما أُريد لنا أن نظن، لذا تحاول الجماعة ذات
الحضور المهيمن تحطيمها.
في الجزء الثاني من سفر الملوك،
نعثر على الحكاية التالية: "يعتزل يونان في بطن الحوت ويونان هو نبي، يأمره
الرب بأن يخلّص أبناء مدينته من وثنيتهم. لذا يعصي أوامر الرّب و يهرب صوب البحر فيبتلعه
الحوت لزمن ثم يلفظه. وقال: "دعوت
من ضيقيَ الربّ فاستجابني، صرختُ من جوف الهاوية فسمعت صوتي" بحسب أوستر
هرب يونس من وجه الرب وواجه حطام الانفراد. فيونان سمع صوته من عمق المكان
المظلم في جوفه، وفهم الرسالة الإلهّية.
في ذاتِ السياق تكشف العزلة عند ديكنز
عن هشاشة الكائن، وكأنّها قدرٌ لا منجاة منه ولا فكاك، فما يسود العلاقات البشرية
من اللامبالاة والقسوة المُتخّفية تحت الدماثة المفرطة، تُظهر بوضوح الحاجز الجليدي بين البشر.
لقد وصف كافكا أعمال ديكنز " قسوة القلب
المتوارية خلف الأسلوب الطافح بالمشاعر". إن عزلة ديكنز قاسية، فهي أخفاق في التعاطف
وعدم القدرة على الحميمية. كما أنها تقتص من الزمن بإيقاف جريانه. " في الآمال
الكبرى" لم تخلع العجوز هافيشام ثوب عرسها منذ نصف قرن، وأغلقت باب
غرفتها؛ لأن حبيبها خذلها ليلة الزفاف. وهذه العزلة المبالغ بها تليق بكائنات ديكنز
المعطوبة. لقد أوقفت السيدة هافيشام الساعة تاركة كعكة العرس التي نسج
العنكبوت شبكته فوقها على حالها، و قالت للفتى حين قابلته: هل تخاف من سِّيدة لم تر
الشمس منذ مولدك يابيب؟
تُطور
شخوصُ ديكنز في حطام عزلتها أشكالاً قَلِقة للوجود. فكل واحدٍ منهم محكومٌ بهذا
الفراغ، وكأنه يقف على طرف ما يراه الآخرون دون أن يرى شيئاً من الاساس. وهي إما
شخصيات مُرابِيَه أو تعبد المال. "المال بمعنى الحماية لا المتعة. المال
يحمي العزلة ويخفف من ألمها. وفي النهاية هي تنظر لكل شيء حتى العواطف من
خلاله وبإمكان حدث مهما كان ضئيلاً أن يحيلها إلى حطام مثل بيت متداعٍ من الداخل. فكل شيء يتحلل من حولها، والزمن لا يمكن إيقافه
إلا بمعجزة. وهذه المعجزة تتحقق عبر الحكايات
الواردة في الكتب المقدسة، وهو أمر ينكشف في حكاية مجموعة من الشبان فَسَد واقعهم، فتركوا منازلهم
ليسكنوا كهفاً موحشاً. لقد نام هؤلاء الفتية لثلاثمئة وتسع سنوات، اللاّفِت أنهم
ماتوا ما إن أبصرهم الآخرون، وفي اللحظة التي انكشفت فيها حكايتهم قُبِضَتْ أرواحهم.
إن الاستمرار في التحليل إلى نهايته يكشف لنا عن
مغزى العزلة فهي فعل سرّي للذات و ما إن تُخترق من الآخرين حتى تتحلل. يلتقي هذا
مع تفسير ديفيد ثورو لها فهي عنده "حماية للفردية" من المجتمع
الطفيلي "الذي يتودد للمرء بلا مناسبة ويتدخل في شؤونه بلا موجب".
وهي في حالة السيدة هافيشام روح معطوبة أرادت جرح الأبدية بإيقاف حاضرها . و هي انتقام
من الزمن ورغبة بتجميده.
يصف الشاعر التشيكي سكاسل في رباعيته
الحزن الذي يحيط به، كان بوده أن يزيحه، أن يحمله بعيداً جداً، "أن يبني
معه بيتاً، يطلق عليه بيت الدموع يحبس نفسه فيه ثلاثمئة سنة" وخلال هذه
السنين لا يفتح الباب لأحد.
في اتجاه آخر العزلة عند مانغويل، تتمثل في اللغة. لقد عاني دوبلن الذي فرّ
من المانيا بفعل تهديد النازية، إلى فرنسا ثم الولايات الامريكية، من عزلة لأنه
عجز عن أيجاد لغة مشتركة في أرض مضيفيه. وهذا يستدعي عزلة اللاجئ فهي تشبه ما كتبه
دوبلن" ان تكون في ارتحالٍ دائم، أن
تفقد كل ما تعرفه. كل ماغذّاك ،وأن تعيش لسنوات كمتسول، قوياً لكنك في المنفى"
"إن اللغة قد تكون صيغة من
صيغ حب الآخرين بتعلم لغتهم" هذا مايعتقده مانغويل لكنه ونتيجة سهو متعمد أو غير متعمد لم
يطرح السؤال التالي على ذاته. هل يقبلني الآخر الذي تعلمت لغته!. فالمرجعيات هنا ليست متماثلة، و روح اللغة
ليست في متناول الدخيل أو الإكزوتيكي كما ينظر له عادة. واللاجئ سيبقى على سطح اللغة وقشرتها الخارجية
حتى لو تعلمها . عزلة مديدة وقاسية تلك التي تفرض على اللاجئ. فحياته الداخلية
تستعصي عليه. ستكون أحلامه بلغته الام وحياته بلغة غريبة
أن الكلام مع الآخرين لا يشترط
الخروج من هذه العزلة. فعند ديكنز تبدو أحيانا الكلمات مثل تمرين على اللباقة
وخالية من المشاعر. والكليشيهات هي شكل من اشكال العزلة. عزلة المجاملات.
يكتب ثورو :نتقابل في فترات
متقاربة جداً، دون أن يتسنى لنا الوقت لننال أي قيمة من بعضنا البعض، نتقابل ثلاث
مرات ، وكل منا يمنح للآخر مذاق الجبن العفن، ويجب أن نتفق على مجموعة معينة من
القواعد نطلق عليها " الآداب والتهذيب كي نجعل هذا اللقاء المتكرر
محتملاً وكي لا نضطر لنشن على بعضنا حربا مفتوحة"، هذه الحرب المفتوحة تظهر بجدارة في سوء
الفهم المتبادل والذي تزداد فجوته في اللغة ، فاللغة يمكن أن تباعدنا بدلاً من
أن تذيب الجدران، يبدو ذلك بوضوح في رواية دروز بلغراد لربيع جابر التي تحكي قصة رجل، قادته الصدفة السيئة إلى الميناء، حيث اقتيد مع مجموعة من الدروز الذين صدر أمر
بنفيهم عقب حوادث جرت بينهم وبين المسيحيين إلى قلعة بلغراد، على حدود السلطنة
العثمانية. يبدأ سوء الفهم من السطور الأولى، يصرخ حنا يعقوب وهو مقيَّد: -أنا حنا
يعقوب مسيحي من بيروت.
فيترجم المترجم للضابط الفرنسي: أنا حنا يعقوب
قتلت مسيحي من بيروت. كانت إساءة الترجمة رمزاً للتواصل المنقوص. إنّها لعنة برج بابل،
لقد كان سكان الارض الذين نجوا من الطوفان يتحدثون لغة واحدة. كما ورد في "الاصحاح الحادي عشر من سفر التكوين"
لكنهم أرادو غزو مملكة السماء بالأقواس والسهام، ولمعاقبتهم أرسل الله ملائكته
طالباً منهم خلط لغتهم بحيث يعجز كل منهم
عن فهم حديث الآخر ووصل الامر أن يطلب أحدهم من رفيقه ملاطاً فيعطيه حجراً، فيقذف
الحجر بغضب على رفيقه ويقتله. لذا يبدو الصمت عند انطوان سانت اوكزوبري منجاة، حين يلتقي الأمير الصغير
بالذئب يطلب الأخير وهو يحدق للدجاجات اللواتي يركضن خلف رب البيت من الأمير: دجِّنّي.
يسأل الأمير
الثعلب: كيف؟
فيشرح الاخير الخطوات ولعل أهمها الصمت. لا تتكلم "يقول الثعلب". ويضيف: لأن الكلام قد يكون مدعاة لسوء الفهم.
لكن ماذا عن صحراء الحب المترامية
الاطراف. هل تنقذنا من العزلة؟
يكتب أحدهم: " إن مجرد
تطوافك في صحراء ما لا يعني أن هناك أرضاً موعودة"
تشيزاري بافيزي، رسائل كافكا إلى ميلينا،
تبدو الوحدة هنا مثل بئر مُعتِم كالذي رُميَ به يوسف، لكن مجموعة من المسافرين أنقذت
يوسف، أما في الحب فالمحب عادة من يقطع الحبل. ربما تكون العزلة الشوكة تحت ظفر الابهام"
شرط لا بد منه لكي تخرج الفراشة من شرنقتها. ماذا لو لم يرمِ أخوة يوسف أخاهم في
البئر!. والشيء بالشيء يذكر عزلة محمد (ص) ، في غار حراء، موسى في الوادي
المقدس. تبقى الكتابة البرهان الناصع على عزلتنا لكنها لا
تشفي. أكيد أنها لا تشفينا. يكتب بول أوستر "كان لدي برهان على جرح، وبدلاً
من أن تشفيني الكتابة كما ظننت أنها ستفعل، أبقت على الجرح فاغراً". يعتقد باسكال أن التعاسة التي يواجهها البشر
تنبع من أن البشري "عاجز عن
المكوث في غرفته هادئاً". أما ديفيد ثورو فهو يؤكد أنه " لم يجد
قط صاحبا عِشْرته أحلى من العزلة. ذات
مرة صرخ فان كوغ "أحتاج الاقارب والأصدقاء كأي أحد آخر، أحتاج الحب والوصال
الحميم، لست صخرة، ولست من حديد كصنبور أو عمود إنارة". من نصدق إذن؟
يقول ثورو "الله وحيد إلا
أن الشيطان ليس بمفرده على الإطلاق، إنه يقبل الكثير من الرفقاء" في السياق ذاته كتب كافكا ذات مرة في يوميّاته
يقول: إن كل ما كتبته في حياتي إنما هو نتاج الوحدة"
فدوى العبود
تعليقات
إرسال تعليق