عن
الكون كلعبة ..
فدوى
العبود
قبل أربعة عشر شهراً من وفاته، كتب
أينشتاين في خطابه إلى العالم الفيزيائيّ الأميركيّ ديفيد بوم: "إذا كان الله
قد خلق العالم، فأنا على يقين بأنّ أولى أولوياته لم تكن أن يسهل علينا فهمه".
لكن الخيال والحدس، وهما العصب الرئيس
للعلم والأدب يجمحان في طرق جعلت أيلون ماسك يقول "بأننا لا نعيش في عالم
حقيقي على الإطلاق". أي نحن مجرد كائنات افتراضية. فكرة في خيال الله
أو محاكاة حاسوبية.
لا يمكننا إثبات أننا لسنا جزء من لعبة؟ هذا ما
طرحته زهرة دافودي العالمة في معهد ماستشوستس للتقنية، وهذا معناه أن تفاحة العالم تحوي في جوهرها على جرثومة العبث. وإن
جديّته التي حاول اينشتاين العثور عليها وهم، فهو يكتب لماكس بورن: أناعلى يقين
تام بأن الله لا يلعب النرد. يرد الأخير بإصرار "العبث والعشوائية هي أساس
الكون"
فيما بعد تساءل كونديرا: عمّا إذا
كان من الممكن للقرارات الإنسانية المصيريِّة المتعلِّقة بالحب والحرب أن تكون
متجذِّرة في حماقة؟ وانتهى في آخر أعماله إلى اعتبار الحياة "حفلة تفاهة " في هذه الرواية
التي تظهر وكأنها مانيفستو "يأس واستسلام" يرفع كونديرا راية
بيضاء، فوق هذا البحر الهائج المسمى العالم. و يبدو وكأنَّه قبل بفكرة أنه لا يقدر
على تغييره ولا إيقاف جريانه البائس، لكنه ولحفظ آخر قطرات الكرامة يعلن أنّه لن يأخذه
بعد اليوم على محمل الجَّد. فهو يرفض أن يظهر بمظهر دون كيخوتي مع أن أعماله
السابقة تُظهِر العكس. هذا الإعلان يبدو انتقاماً مراً من قِبَلِ رجل أنهكته المفاجآت
و لم يحتمل لامعقولية العالم أو ربما حاول هضمها، لكنها ثقبت أحشاءه، وجرحت رئتيه،
فيعلن بأسى أن " نوراً متأخراً كشف له حقيقة كانت خافية عنه وهذه الحقيقة هي:
"التفاهة"، لقد حجبَ عنه رعب الاكتشاف المتأخر حقيقة هامة دوَّنها
ذات يوم" لا يمكن العبور إلى الكوميديا إلا فوق حقلٍ من التراجيديا "بل
يبدو وكأنّ هذا العجوز الثمانيني، كتبها تحت نوبةِ هلع. تقول إحدى الشخصيات
الرئيسية: لقد بدا لي أنّه من المرعب إرسالُ شخصٍ إلى العالم دون أن يطلب ذلك.
إن جديّة كونديرا جعلت "حفلة
التفاهة" تصطبغ بالحكم الاخلاقي القاسي على الحياة وكأنّه يعاقب نفسه على
عبثيَّتها، وهذا مفهوم لأنّ صاحب " الخِفَّة والثقل ". أدار عدسة
كاميرته نحو الزاوية الحادة و لم يستطع أن يتقبّل الخفَّة المُبالغ فيها للحب
وللموت، فبدا العالم له "ريشة تطير تحت سقف"
لكن توسيع بؤرة العدسة ربما يساعد
في تقريب الخيوط وفك المتشابكِ منها. ومحاولة العودة إلى نقطة انطلاق السهم-متتبعين
الآثار إلى مصدرها- قد يساعدنا في العثور على "آدم". حيث مٌثِلت أول
مسرحيَّة تراجيدية في التاريخ. أبطالها جوقة من الملائكة.. وكائن ساذج. وشيطان
تقدح عيناه بالشرر.
يبدو– هذا المخلوق المُعجِز- وبحضورِ عددٍ كبيرٍ
من الكائنات المجنّحة والبريئة الرافضة لوجوده، الممتعضة من مكانته- معجوناً
بالبراءة. هذا الكائن الحديث الوجود، يتصرف كتلميذٍ مطيعٍ في فصلٍ دراسي. فهو يسمّي
المخلوقات التي تُعرَضُ أمامه، ومن نِعَمِ الله عليه أنه لم "يمنح
الحيوانات تأكيداً لوجودها عبر تسميتها فحسب، بل كان أيضا أول من يسمي المجتمعات
البشرية". يشير تعقيب توراتي قديم "عرض الله الارض بأسرها أمام
آدم، فحدد آدم الاماكن التي ستصبح مأهولة لاحقا، والاماكن التي ستبقى خاوية"
في السياق ذاته تُظهر الرسومات
الكثيرة حول -حواء وآدم- صورة لعبَّية تظهر فيها حواء كسيدة لاهية، -بابتسامتها
العابثة وعريَها الأخاذ الذي سيشع بعد قليل-
وهي تُقرب الثمرة المحرّمة من شفتيِّ آدم. ومن غصنٍ قريب تتدلى أفعى. وفي
الخلفية تبرق عينا الشيطان. هذه البداية ستشكل جوهر الوجود بحيث تؤسس لمصير جنس
بأكمله فتصطبغ حياته بصبغة اللامعقول. بدءاً من الحب الذي وصِفَ بالهزل عند ابن
حزم، حتى الحرب التي قد تحدث نتيجة جنون مؤقت، أوخيبة عابرة، أو حموضة في المعدة. ولعلّ
(الحرب والحب) هما الكاشف الأصيل عن الوجه الحقيقي للعبث
يلامس لويس لانديرو في "العاب
العمر المتقدم" جوهر المسألة. حيث تصطبغ الرواية -التي تبدأ من قبو لشركة
تصدر الأنبذة والزيتون- بالمصادفات، ومن هذا القبو الذي نُسيَ فيه غريغوريو أورلياس
وتُرك نهباً للملل تبدأ الحكاية، باتصال هاتفي
من رجل منبوذ في الريف مأخوذ بوهم التقدم، يدعى خيل المهووس بالأسئلة والحضارة. بإحساس
متعاظم بالشفقة تجاه خيل يبني أورلياس نوافير غير موجودة، ويسيِّر سفناً، يقيم تماثيل
وابراج، يصحح الحدائق، ويَحرِف مجرى النهر-لإسعاد خيل لا أكثر- يخلق له يوتوبيا عن
مكان غير موجود. لكن الاتصالات الاسبوعية تيقظ عند غريغوريو أورلياس الفنان الذي فقده
تحت قشرة اليومي، والذي حلم ذات يوم بأن يكون شاعراً. سيشكل هذا التخيل سفينة نجاة
للحاضر الغارق في الملل. وكما فتح آدم عينيه على تسميه الاشياء يبدأ أولياس بمنحها
أسماء جديدة" فالأسماء لا تكلف نقوداً، فقط حياة". أورلياس كآدم وفي
حكايتهما تمتزج البراءة الاصلية بتقلبات القدر، وهو يبحث عن سرِّ العالم، لكنَّ
الاشياء من حوله لا تبدي أي تواصل، وهو سيحتاج لوقت طويل حتى يكشف أن لا معنى للأسئلة
الكبرى عن الوجود، فهو لا يعدو كونه لعبة. وحين نأخذه على محمل الجد نفقدُ اتِّزاننا
ونضيعْ. هذا العالم باختصار أشبه "بمسمار في فخذ رجل أعمي"
في
رواية الالدورادو يبحث بطل فولتير عن خير العوالم الممكنة. وكانديد شاب
ساذج يضلله أستاذه بانغلوس الذي أقنعه بوجود تلك العوالم، وفي رحلته يتعرض مع صديقه للضرب وتسرق نقودهما ولا يقابلان
سوى اللصوص وكل هذا في طريقهما إلى خير العوالم. ليكتشف أن عالمنا المبنى على المصادفات
واللعب هو أفضل المتاح. وأن علينا تقبٌّل تقّلباته كي لا نسير في دروب الخسارة
وأفضل ما نفعله هو " العناية بحديقتنا التي هي ذاتنا".
أن
نغير زاوية العدسة يعني أن نعبر فوق حقول " التراجيديا نحو الكوميديا" والعيش
دون أي أوهام مسبقة أو تصورات لكن ليس من دون آمال.
في
رواية "جاك القدري" لديدرو، يفتن جاك خطيبة صديقه، ويسكرُ من
السعادة ولكنّ أباه يضربه بقسوة، يتصادف ذلك مع مرور كتيبة عسكر فيلتحق بها،
ويتلقى رصاصة في ركبته عند أول معركة تجعله يعرج حتى موته. يكتب كونديرا " كان يظن أنه يبدأ مغامرة
غرامية، في حين أنه كان يتقدم في الواقع نحو عاهته".
يكشف الفن في عمقه عن سر هذه اللعبة. فهو أشبه "بعصا موسى، حيث نخرج الماء من
الصخرة" وإن المحنة الاصلية عمادها اللعب وعراباها كائنان لاهيان فكرا أن
يتذوقا الشجرة المحرّمة. لذا فإنها ستتكرر
في كل قدر إنساني. وتبدأ من ميلاده حتى موته. وهو يستطيع أن يعيشها بفرح كما فعل زوربا
بطل كازانتزاكيس -حسنا لننظر إليها كأنها لعبة، إذا قدِّر لأحدنا أن يواجه خطر
الموت". والذي قرر أن يغمر نفسه بالسعادة والهزء من لا معقوليتها (يعتقد
الناس أني اسير نحو الشيخوخة، فليكن فأنا أقفز، وأرقص، ويؤلمني ظهري إلا أنني
أتابع الرقص". فالسعادة يكسبها
اللاعب الذي يفهم القواعد أولاً.
في 2016 كتب راي كورزويل معلمُ
الذكاء الآلي في شركة غوغل: إلى أنه ربما يكون الكون كله تجربة علمية لطلاب
المدارس الإعداديّة.
في عالمٍ آخر وإذا كانت فكرة "المحاكاة"
التي تخرج من رحم الفيزياء تبدو مقنعة، فإن الادب يقلدها بمحاولة الكشف عن قوانينها
والتي تتبدى بوضوح في القدر البشري- والحب
–والموت- والمصادفات. ان العلماء الذين يحاولون البحث دائما عن نقطة انطلاق يسألون:
ماذا لو قدر لمجموعة من الجنود الافتراضيين أن تحس وتشعر وتسأل. هل ستدرك أنها
لعبة؟
يذكر
فريجلاند " أن تحقيقات الطب الشرعي ومن وجهة النظر الإدراكّية تقود إلى
الحقيقة التالية: أن هناك بعض الاشياء التي تهدف إلى جعل اللاعبين ينسون أنّهم في
لعبة. بحيث تنسى من أنت!
في مساء ربيعي غادر طفل بيته في
رحلته الأولى مع والده إلى عواصم أوربا وبدلاً من الانبهار بأعمدة كاتدرائية
نوتردام في باريس، أو الحماسة لمقاهي فييّنا، أسس عقيدته التي تقول" أن هذا
العالم الذي يضم حوذياً يضرب الحصان بقسوة،
وآهات ألم تنبعث من نوافذ المشافي، هو "عالم من العبث ".
كان هذا الطفل يؤكد ما كتبه
سلافيدين افيدتش يوماً " خلق الله العالم بحيث يكون مفهوما من طفلٍ ذكيٍّ
في السابعة" " هذا الطفل الذي لم يستطع عبور حقل التراجيديا والذي
توقف عند الانين المنبعث من نوافذ المشافي لم يكن سوى آرثر شوبنهور. الطفل الذي
رأى الجانب المأساويّ للكون ولم يستطع أن يفهم قواعد اللعبة....
المصادر
:1-احمد صلاح مقال: هل نحن جزء من لعبة؟
2-
جاك القدري "ديدرو"
3- ماري لومونييه –اود لانسولان
"الحب من سقراط إلى سيمون دي بوفوار
4- لويس لانديرو "العاب العمر
المتقدم"
5- كونديرا الوصايا المغدورة"
6-"احمد شهاب الدين مقال" لسنا في كون
حقيقي"
مجلة الامارات الثقافية
العدد 78
تعليقات
إرسال تعليق