الكتابة بالحبر السام
الكتابة
بالحبرِ السّام
بورخيس
–أيكو- زافون
إن سرّ المكتبة أعظم ممّا كان يظُن
من كتب مضلِّلة عند ثرفانتس، ومكتبة
عالمية عند بورخيس. أو هائلة عند أيكّو إلى مقبرة عند زافون. تأتلف أعمال هؤلاء
الكتّاب. لترسم صورة المكتبة وسرداً لتاريخها؛ فالبطولة فيها للكتب التي تعد
مفتاح الوجود. والحكاية الاولى في قصة الخلق التي تبدأ من نهي آدم عن الاقتراب من
شجرة المعرفة حتى الأمر الإلهي _الذي يحض محمد (ص)على فعل القراءة _"
اقرأ" تُظهر أنّ ثمة معرفة آن أوان
كشفها. فهناك كتب ممنوعة و أخرى يجوز تقليب أوراقها. وثالثة يمكن إعمال الفكر فيها.
كما أن المعرفة ليست للجميع "لأن كل الحقائق ليست لكل الآذان"
وحظيت المكتبات عبر التاريخ بالقداسة.
التي كان يجري انتهاكها بين وقت وآخر بالحرق أو الإتلاف المتعمَّد. وبحسب فوكو
"المكتبات والمقابر، مكانين يحفظ فيهما الزمن وتجري مراكمته. فالمكتبة
تحتجز في مكان ما كل الأزمنة، في حين ترتبط المقبرة بفكرة الأبدية".
والخاصّية المشتركة أنّ في هذين المكانين يتركب الزمن إلى ما لانهاية، ويمكن
العثور في الاولى على ثعبان الغرور؛ وفي الثانية على ثعبان الحسرة الهزيل. وفي
هذين المكانين أيضاً يتم التساؤل عن الحقيقة والزيف. زيف التاريخ وزيف الوجود وعبثتيه.
لذلك أرقّت المكتبات الحكام وأقلقت السلطات وشكلت جاذبا وإغواء كلف الكثيرين
حياتهم "ففي المكتبة والمكتبة فقط يفضِّلُ ثعبان الغرور أن يختبئ".
إن المتتبع لتاريخ الكتب والمكتبات
يُدرك أنه لا يُنقص من قيمتها أن تحوي مجلداتٍ ورقوقٍ محرمة أو مزيفة، لكونها مكان
للصراع. في " اسم الوردة"
يحتدم النزاع بين السلطة المدنية والدينية، وبين السلطات الدينية مع بعضها في
فهمها لفقر المسيح وفهمها للتاريخ؛ وعندما احتج غوليالمو على أن المكتبة
تجمع الخرافات، رد عليه يورج حارس المكتبة "إن المكتبة شاهد على الحقيقة
وعلى الخطأ" وهذا ما يشكل قداستها وربما إغراء دخولها أو تدميرها؛ كما
أن يورج يخشى من الكتب الفلسفية التي تخل بنظام الكون، ونظام المعرفة بمعناها
التقليدي؛ فالكتب الفيزيائية أخلّت بالصورة التي رسمها سفر التكوين للكون، كما أن الفلسفة
والفيزياء قلبتا نظام المعرفة ومن هنا برأيه أصبحت "الحقيقة في خطر"
لنكمل بحكايتين: الأولى تنفي فكرة
الحقيقة عن أيِّ كتاب، ما عدا الكتاب القرآني.
وثانيهما تجعل من الكتابة فعلاً يلامسُ الالوهة، ويقترب من فهم مانغويل لّلغة
بكونها" تتمتع بقدرة محاسبة قوية".
في الاولى تطالعنا صورة الخليفة
وهو يأمر بتدمير مكتبة الاسكندرية، لأنها باعتقاده
إما أن تقول نفس ما يقوله القرآن ولا حاجة لنا بها؛ وإما أن تقول ما لا يقوله
القرآن. فهي إذن كتب خطيرة. و تروي الحكاية الأخرى " قصة عبدٍ هندي أرسله
سيده بسلة مليئة بالتين، وعندما اطلع الشخص الذي كانت السلة موجهة إليه على
الرسالة، ولم يعثر على الكمية المبينة فيها؛ اتهم العبد بسرقة التين. إلا أنّ
العبد أنكر ذلك( رغم ما تقوله الرسالة). لاعناً الورقة متهماً أيّاها بشهادةِ الزور
والكذب. وحدث أن أرسله سيده مرة أخرى إلى نفس الشخص. ومعه نفس الحمولة، مرفوقة
برسالة تبين العدد الحقيقي لحبات التين التي تحتوي عليها السلّة؛ فأكلَ الجزء
الاكبر من محتويات السلّة. إلاّ أنه هذه المرة أخفى الرسالة تحت حجر ضخم كي لا
تكون شاهداً عليه، وعندما وصل إلى المكان المقصود، اتهمه الأخير من جديد بأكل نصف
الحمولة واعترف هذه المرة بفعلته معجباً
"بألوهيةِ الورقة".
إنّ سرّ قداسةِ
المكتبة ينبع من هذه النقطة حيث تكون لبعض الكتب "قوة ألف عقرب". لكنها تؤدي
عند ثرفانتس "للوهم"، فهي التي أضلّت بطله وأبعدتهُ عن حقيقة
العالم الواقعي لأجلِ عالم الفروسية المّشيد من الّلغة. فعلينا أن نقرأ الكتب، ولا نقع في أوهامها التي
لوثت عقل دون كيخوت و جعلت الكاتب الايرلندي برناردشو يقول " القراءة جعلت
دونكيشوت إنساناً محترماً، لكن تصديقه ما قرأ جعله مجنوناً". هذا الجنون لم يكن ليصيب الحلاق أو القس فهما
متآلفان مع عالم لا يتجاوز دور اللغة فيه استعمال أواني الطبخ. وبذلك تسخر رواية ثرفانتس
من العالم الذي شيّدته كتب الفروسيّة. وهي تأكيد للاعتقاد الافلاطوني الذي يرى أن
الواقع المصنوع من الكلمات هدام، لأنه ليس الواقع المرغوب". و في نهاية الفصل
الرابع عشر يراقب دون كيخوت القس والحلاق وابنة أخيه يلقون في النار الكتب التي ضيعت
عقله، ويتمنى هو لو أعيدت له الفرصة كي يقرأ كتبا تطهر روحه. لكن ماهي الكتب التي
تطهر العقل والروح. هل هي الكتب التي تحوي الحقيقة، وتروي ما حدث كما حدث. والتي وتكشف
عن العددِ الحقيقيّ لحباتِ التين؟
يبدو أنّ الأمور لا تتم في اتجاه
واحد فمن سوء حظ الحقيقة أنها رباعية الأوجه بحسب عمود النسبية اليوناني،
فما يعتبر بنظر البعض حقيقة قد يعتبر عند غيرهم زيف وضلال. وحين يتساءل غوليالمو في
اسم الوردة "عمّا إذا كانت توجد في المكتبة كتب تحتوي على أكاذيب" يجيب رئيس
الدير: بأن المسوخ موجودة الانها جزء من الرسم الالهي، وفي ملامح الوحوش
القبيحة تتجلى عظمة الخالق .
لقد نشأت مكتبة أيكو من أنقاض حلم بورخيس
-وإن احتفظت بفكرة المتاهة- وهي مكتبة ضخمة كالتي حلم بها بورخيس يوماً مكتبة
تحوي كل العالم " المكتبة الكونّية " فهي تحوي كتباً تضاهي "مكتبات
بغداد الست وثلاثين، والعشرة آلاف مخطوط التي يمتلكها ابن العلقمي، وان كتبها
المقدسة تعادل الالفين وأربعمائة مصحف قرآني؛ التي تتباهي بها القاهرة. وتتفوق على
مكتبة طرابلس التي يسكنها ثمانون ألف شارح ومائتا ناسخ".
إنها الحُصن الذي لا يمسُّه فساد
المدينة التي تحيط بالديرِ كالوباء. يقول رئيس الدير لغوليالمو "ولن يدخلن
أبداً كتاباً من تلك الكتب أسوارنا وإلا ستصبح حتماً منبع هرطقة" فكتاب "فن الضحك" لأرسطو يجب بنظر حارس المكتبة
إخفاءه، لأنه في رأيه يثير الفتنة ويحرضُ على حبِ الحياة والنفور من الفضيلة. لذا فقد كتب بحبر سام يقتل كل من يحاول قراءته.
لكن هل مازال بمقدور
الكتب الدينية احتكار الحقيقة والإجابة عن الاسئلة التي تحرقُ الكائن البشري؟
إن الكتب التي تدعي الحقيقة، بحسب أيكو- هي
كتب مسمومة "أحترس يا أدسو من الأنبياء، ومن أولئك المستعدين
للموت من أجل الحقيقة لانهم يجرون معهم عادة إلى الموت كثيرين، يموتون قبلهم أو
عوضاً عنهم". لقد استغرق أيكو عشر سنوات لبناء متاهة أشبه بالمكتبة ولم
يجد أفضل من دير بنديكتي لها، ومن المفارقات أنّ شخصية يورج الأعمى تحيل إلى بورخيس
حتى أن بعض نقاده تساءلوا: عن مصادفة هذا الشبه الكبير بين حارس المكتبة وبورخيس؟
و أيكو على غرار ثرفانتس، سيفعل الشيء الوحيدة الذي لم يجرؤ عليه صانع
المتاهات (إشعال النار في الكتب). بيد الحارس " بورخيس الآخر" حيث يتحول
الدير بكتبه المزيفة والمسمومة ومكتبته الهائلة إلى رماد. وتبدو لحظة الحب بين الراهب الشاب والفتاة
الفقيرة التي تسللت ليلاً للدير؛ اللحظة الوحيدة الحقيقية. بهذا الانشقاق عن
بورخيس الذي تردد كثيراً في أحراق كتاب الرمل ينهي أيكّو مجزرته بالكتب المسمومة.
الكتابة باعتبارها
سرداً جديداً لتجربة الخلق .
بدلاً من المكتبة الهائلة يبني زافون في روايتيه" ظل الريح "
ولعبة الملاك، مقبرة للكتب وتصبح
الكتب رسائل من أرواح طواها الفناء. يقول في لعبة الملاك:" هذا المكان سرّ
يا إيزابيلا. أنه معبد، حرم خفي، كل كتاب تعيش فيه روح ما. روح من ألّفه؛ وأرواح
من قرؤوه وعاشوا وحلموا بفضله.
الكتاب هو فرصتنا الأخيرة التي كتبتها روح إلى من يأتي بعدها. كي لا نخسر أفضل ما نملك "الحياة
والحب"، وكل روح وبمجرد لمسِهِ
ستضيف إليه، فبطله يعثر على رواية تتقاطع فيه
حياته مع حياة مؤلفها، الذي يلاحقه متخذاً مظهراً شيطانياً. ليرسل له رسالة
مفادها، أن حياتنا مكررة وأن علينا أن لا نرتكب الأخطاء التي ارتكبها من هم قبلنا،
لذا لن يهرب ويترك حبيبته تواجه الموت بمفردها في منزل أهلها لتدفن في القبو مع
صغيره كما حدث للمؤلف.
إنّ الأرض التي نسكنها خطأ ومحاكاة ساخرة ، لذا لا بدّ من إعادة رسمها عبر الكتابة.
فالكتب بحسب دوبلن كأيوب الُمبتَلى" تساعدُ الاعرج على المشي والاعمى على
الإبصار". وبينها جميعاً ثمة
كتاب هو" كتاب التجربة الإنسانية". لذا تنتهي لعبةُ الملاك بظهور الشيطان، في هيئة
رب العمل وهو يتقدم ممسكاً بيد كريستينا حبيبة دافيد مارتين_ التي تخلى عنها لتأسيس
ديانة جديدة_ كانت قد عادت طفلة في العاشرة ونسيت كل الأذى الذي سببه لها. يكتب
مارتين "عرفت حينذاك أني سأكرس كل دقيقة، كي أجعلها سعيدة، كي أعالج الأذى
الذي سببته لها، كي اعيد لها مالم أستطع أبداُ أن أمنحها أياه. وحين تنطفئ أنفاسها
سأحملها إلى عرض البحر حيث تتلاطم الأمواج وأغطس معها إلى الأبد، لنتمكن أخيراً من
الهرب حيث ليس بوسع السماء ولا الجحيم العثور علينا" .وبذلك يمنح زافون مارتين ( آدم) الفرصة لتصحيح حياته.
إنّ زافون يعيد سرد قصة الخلق. بمنحه
الخلود الذي حرم منه. كي يستطيع الإفلات من ربقةِ القدر وسطوته عبر صوغ الحكايات
والتعلم منها. وذلك لا يكون إلا بحرق الكتب المسومة، والإبقاء على تلك الكتب التي
تضيف إلى التجربة البشرية والتي خطتها أرواح تحترق. وفي بيت الكتب "
المكتبة" لا توجد حقيقة بل ثمة فرصة
لتصحيح الخطأ الاول خطأ أدم وحواء والشيطان والأفعى مجتمعين.
1-ايكو_ التأويل بين السيميائيات
والتفكيكية
2-مانغويل – الكلمات
3- بورخيس " الالف"
المرايا والمتاهات
4- أيكو " اسم الوردة"
5 –كارلوس زافون " ظل الريح
"
6-كارلوس زافون " لعبة
الملاك"
تعليقات
إرسال تعليق