حب دائري
1
وقفت زينة  أمام المرآة وقد لبست  فستانها البني  الذي أظهر جمال فخذيها المصقولتين . وضعت  أحمر شفاه بلون الكرز فوق شفتيها الناضجتين . ثم تابعت نظراتها المحتارة  جسدها من الأسفل إلى الأعلى
عكست  المرآة التي  توسطها  شق طولي نظراتها القلقة .  وكان على عقلها أن  يبذل جهداً ليجمع جانبي وجهها لأن الصورة في المرآة  مشطورة . انقسم القلق إلى قلقين حين هبت نسمة باردة من النافذة .
 هذا لقاءهما الرابع عشر ولم تحرك  أنوثتها بحيرات عينيه الساكنة ،ويبدو أنها لن تفعل ففي لقاءهما الماضي  جلست في الجانب البارد من الطاولة بينما  جلس بجانب جهاز التدفئة  ، كان يحدثها عن جميلة ورغبته  فيها كانت أحاديثه أشبه بقصيدة  بدوي عامرة بأصناف الشوق والعذاب والشكوى .لقاءاتها معه صارت تدريباً يومياً على الصبر .
هل أنت مضطرة لتحمل ترهاته ؟ ( سألها شيطانها )
أجابت بكلمة : لا .
 توقفت لثانية  قبل أن تحمل حقيبتها ثم ألقت معطفها الطويل فوق كتفيها  وبينما  تضع  القفل في الباب رمت كلمتين مثلما يرمى لاعب  أحجار نرد :   بائسة من تحب شاعراً .
2
الريح الضجرة في الغرفة تلقفت الكلمتين  بنفاذ صبر مما جعلها تصطدم  بالمرآة  قبل أن تعبر بهما من النافذة المفتوحة  لتحط على  نافذة عاشق محتار منذ زمان
والذي ألقى وشاحه الصوفي على كتفيه وخرج   
  لا يعرف إلى متى ستستمر لعبة التجاهل والهجران بينهما ؟
ما الذي غيرها ؟
  مذ كانا صغيرين  طيَرا عصافير الحب من أقفاصها وانتظراها  معاً فجابت  الفصول  و لم  يقتلها صقيع الشتاء ولا حر الصيف  والآن؟
 الآن  يحتاج إلى تفسير ما لا تفسير له .
شيطانه يخبره : هذا كله لغيرك
أما ملاكه فقد رحل  مذ هجرته .
وقف عند زاوية شارع موحل ومرت نسمة باردة فأثارت العطر الكامن في معطفه والذي سبقها إليه  لكنها لم تقبل شفاعة العطر بل أدارت رأسها في اتجاه آخر وآثرت النظر إلى بقع الوحل الغافية على اقدام البيوت المتآكلة .
  همس بصوت مخذول  : زينة .
لم تلتفت إليه بل أمعنت في النظر  بعيداً ونفضت يدها بضجر ، قال وهو يتوغل في الجدار البارد  أكثر بينما تغيب عن ناظريه :يبدوا أن عصفور حبي  رجع وحده .
3
طار العصفور غاضباً من  ثغرة في جدار قلبه المهشم ، وأثارت رفرفة جناحيه  دوامة ريح جعلت صحن الخزف يسقط من يد لبنى  فأطلت من نافذة مطبخها ، خلعت ثوب المطبخ  المتسخ   وركضت نحو الباب الخارجي  ثم عادت نحو الغرفة تعثرت بالكرسي واصطدمت قدمها بالكنبة.
 سوف تنتبه  لاحقاً  للبقعة المزرقة .
لم تجد معطفها فلبست معطف والدتها ، رشت عطراً رخيصاً له رائحة البرتقال وأخذت  النقود من فوق الطاولة وهي تصيح : أمي سأحضر البقالة .
 من أين أتتك هذه الشهامة ؟
الكلمات الأربع لم تستطع اللحاق بها كانت قد نزلت الطوابق الستة  لذا تساقطت عند الباب مثل ذباب محتضر  .حين خرجت من فم المبنى داست في بركة  وحل  تابعت الانعطاف نحو الزاوية الباردة وشيطانتها تتبعها وتردد : عودي قبل أن  تقع عيناه عليك . كفاك ذلاً.
ذكَرها ملاكها بعشب عينيه  وقرأ لها بيتاً من الشعر  أنساها البرد ووحل الطريق .
فأستيقظ جنونها وقال : ستصيرين شاعرة .
4
في مقهى الهافانا وسط دمشق جلس شاعر حزين .هذه المرة الثالثة التي تعده بها ثم تنكث بالوعود  ثلاثة اسابيع من الغياب أججت نار شوقه ،  فقد قدرته على الكلام ودخل حانة الصمت  مثل سكير مبتدأ  .
لا يملك شجاعة احتساء حزنه بمرح ......ولا حكمة الصامتين وصبرهم . حركات جسده  تفضح قلة حيلته  . تكفي هبة ريح واحدة كي تطيح بتوازنه ، ويرمى خارج الحانة التي لاذ بها .
 أتصل  منذ ثوان بصديقه لكي يخلصه من المصيبة الأخرى المتحركة  التي أتت في الطريق   .
 يقينه يخبره : لكنها شابة وخيول حبك  بلغت آخر السباق !
وشكَه يهمس على استحياء :  الحب لا يتوقف عند التفاصيل ,
حين وصل صديقه تنهد بارتياح تبدد ما إن فتح الأخير فمه وقال : لن تأتي .
- وعدتني أن تأتي
- لقد أغرقتك في الوعود .
- ليتك تغرق وأرتاح  منك . ( قال الشاعر بانزعاج طفت على سطحه آثار مزاح  )
ثم تنحنح مرتين  كي تزيح عربة الخجل الطريق لباقي الكلمات : هل يمكنني طلب معروف ؟
أنت ؟  .... أنت تأمر يا رجل !
مال برأسه نحوه وقال : لقد اتصلت إنها في الطريق .
هز صديقه  رأسه  دلالة عدم الفهم .
-         تلك ....
-         آه عرفتها  زينة
-         هي ذاتها
-         حين تأتي أصحبها خارج المكان  .
طار الاشمئزاز الذي لبس ثوب مؤامرة صغيرة وحط على أذن زينة فاضطربت مشيتها لكنها تابعت الطريق.
5
حين وصلت زينة   كان المقهى فارغاَ  .
لبنى لم تجد أحداً .
الشاعر كان يعبر طريقاً فرعياً ليستعيد ذكرياته التي قضاها مع جميلة
 تتابعه نظرات صديقه التي تحولت من السخرية إلى الشفقة وهو يشد على يده ويردد: الوعود تنقض وكل شيء يعوض .
رآها تمسك يد شاب صغير وسيم وبيدها الأخرى تفتح مظلة ،مرت من أمامه ولم تلتفت إليه أو ربما التفتت وتظاهرت بعدم معرفته . لكن ثقتها لم تهتز وفرحها لم ينقص . ظل ينظر إليها حتى غابت خلف الأبنية البعيدة ثم تابع طريقه ليكتب قصيدة  لكنه لن يفعل لأن قصيدته  أجهضت قبل ولادتها فقد عقرها ذئب الكراهية لذا تخلى عنها صاحبها وانعطف نحو بار قريب ليحتسي كأساً .
 في الغرفة الباردة انحنت زينة تلملم أجزاء المرآة المكسورة وقد جرحت يدها  ولم يفزعها منظر الدم . بل جلست تتأمله وهو يقطر فوق البلاط البارد .
لبنى  أحضرت البقالة واشترت ست قطع كبيرة من الشوكولا خبأتها في جيب المعطف ثم جلست تلتهمها وهي تشاهد فيلماً تركياً.
الشاب ذو العينين العشبيتين اصفَر العشب في عينيه ، استلقى على سريره و دخن عشر سجائر  متتالية .
 عضات الجوع أنسته عضات الحب لكن ليس لوقت طويل فبعد أن التهم وجبة باردة بكى وهو يغفو.
السماء في الأعلى وبعد مشاحنات طويلة وبين جذب للغيوم وشد للرياح  اقنعت الثلوج بالتساقط .الثلوج المعتدة بنفسها والتي اعتادت على استقبال أشبه باستقبال مجانين لنزيل جديد لم تلفت نظر أحد  سوى بعض العجائز المصابين بالزهايمر  وبعض القطط وسرب عصافير أسرع إلى مخابئه التي حفرها في الجدران .

فدوى العبود
/العربي الجديد 2018

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة